هاشم معروف الحسني

321

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

اللحظات وهو ينفض يديه من الخلافة وينهي ما كان حولها من جدل وخلاف في سبيل مصلحة الإسلام ، لم تفته الصراحة ولم تخنه الشجاعة وأبى أن يدع بقلبه الكبير جانبا لم يكشفه لخصمه الذي شاءت الظروف أن يضع يده بيده تاركا كل شيء للّه وفي سبيل اللّه . وما أن انتهى حديث العاطفة والمجاملة بينهما حتى اتجه إليه أمير المؤمنين بقوله : لم يمنعنا أن نبايعك انكار لفضلك ولا نفاسة عليك لخير ساقه اللّه إليك ، ولكنا نرى أن لنا حقا في هذا الأمر فاستبددتم به علينا ودفعتمونا عنه . وما أن أتم حديثه حتى انبرى أبو بكر يجيبه : والذي نفسي بيده يا أبا الحسن لقرابة رسول اللّه أحب إلي من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم في هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الخير ولم أترك أمرا صنعه رسول اللّه إلا صنعته . ويبدو من جواب أبي بكر أنه لا يريد أن يثير موضوع الخلافة وحق علي فيها وانصرف إلى قضية النزاع على فدك وما كان منه ، لأنه اعتقد بأن عليا قد انهى مسألة الخلافة ، في حين أن حديثه كان عنها وقد أدانه بالاستبداد والاغتصاب ، وهكذا انتهى الحوار بينهما واطمأن القوم أن خصمهم الذي كان يهددهم بالأمس قد انصرف عن كل شيء ، وظل خلال حروب الردة الناصح الأمين للخليفة والمعين له في الشدائد والمعضلات ، وقنع من الدنيا بتفقيه الناس والقضاء بينهم بحكم اللّه ، فإذا أحس بخطر غزو الأعراب والمرتدين للمدينة يحمل سيفه على عاتقه ويخرج إلى ضواحي المدينة في جوف الليل ليصد عنها الغزاة ، كما كان يحمله في عهد رسول اللّه متجاهلا كل ما سلف وما حدث من أولئك الذين تآمروا عليه وأقصوه عن حقه وأساءوا إلى زوجته بضعة الرسول ، واتسع صدره إلى ما لم يتسع له صدر انسان غيره ورمى الماضي وراء ظهره للّه وللإسلام كما ذكرنا . ولم يكن يترقب من الخليفة في الأيام القليلة القادمة التي سيختم بها حياته غير ما كان منه في سقيفة بني ساعدة حين تجاهله وكأنه لم يسمع من الرسول شيئا فيه واتجه إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة يوم ذاك وقال لهما أنتما أولى بالبيعة فأيكما أراد بايعته ، لم يكن يترقب منه غير ما كان وأن يعود عمر بن الخطاب ويتدارك ما سبق منه معه من تحد وحيف ، وكان يعلم علم اليقين بأنه سيتركها لعمر بن الخطاب ويتحمل مسئوليتها حيا وميتا ، بالرغم من أنه قال